التاريخ الشفهي

خالد الدبوس الشراري

لقد عرف الإنسان منذ القدم أهمية التاريخ وقيمته؛ لذلك اهتم بدراسته، وسارع إلى تدوين أخبار الإنسانية بداية على الذاكرة، ثم على المباني والمنشآت والأحجار، ثم دونت في الكتب، وذلك لمحاولة فهم أحداث التاريخ وتحليلها، وتفسير الأحداث البارزة، والاستفادة من تجارب التاريخ السابقة.

ويُرجع اعتماد الناس قديمًا على ذاكرتها في تأريخ الأحداث، للأمية التي كانت منتشرة وعدم معرفة الكثير بقواعد القراءة والكتابة، كما أن اهتمامهم في تلك الفترة كان مُركزًا على كسب قوت اليوم أكثر من تعلم القراءة والكتابة؛ فكانت أسهل طريقة لتذكر هذه السنين هو إطلاق اسم عليها.

فكان رافد مهم من روافد المادة التاريخية، اصطلح المؤرخون على تسميته بالتاريخ الشفهي، ويرى بعضهم أنه تاريخ ما أهمله التاريخ. وأهمل بعض من المؤرخين والباحثين الرواية الشفهية نظرًا لسيطرة التاريخ المكتوب والنصي عليهم، على الرغم من أن تدوين التاريخ؛ اعتمد قديمًا بشكل كبير على الرواية الشفهية.

ويأتي «تاريخ الطبري» أهم كتب التاريخ العربي؛ كأبرز مثال على ذلك، إلا أنه بمرور القرون قل الاعتماد على الرواية الشفهية، وأهملها بعض المؤرخين والباحثين إهمالًا كاملًا، حتى ظهرت مدرسة تاريخية لا تعترف بالرواية الشفهية كلها، وجاءت مدرسة تاريخية أخرى رأت أهمية الرواية الشفهية في كتابة التاريخ.

وذكر الدكتور عبد الله بن إبراهيم العسكر في بحثه عن علاقة التراث الشفهي بالتاريخ أن التراث الشفهي وثيق الصلة بالتاريخ، وهو مرآة المرحلة الحضارية التي يعشيها الناس، ويعبر عن أفكارهم وعواطفهم، ويصور شيئا غير يسير من النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية السائدة، ويذهب بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن التاريخ المدون ولد في أحضان التراث الشفهي.

ويعد تخلي المؤرخين عن المصادر الشفهية، وترك الميدان واسعًا للمختصين في الفولكلور والأنثروبولوجيا؛ سبب نأي تلك المصادر عن بعدها التاريخي، حتى مطلع خمسينيات القرن الميلادي الماضي، حين اعترف المختصون في تلك العلوم بأهمية التاريخ في دراسة التراث الشفهي، وكان ذلك نتاج لسيطرة علماء الفولكلور على المصادر الشفهية، فأطلقوا على تلك المصادر اسم الأساطير، والخرافات الوعظية، وكانوا يرونها تدل على المعنى الفلسفي والمغزى التعليمي، أكثر من كونها تحمل أي تفاصيل تاريخية، واتهم بعضهم المصادر الشفهية بخلوها من الحقائق التاريخية. فأخر ذلك استفادة الباحثين من التراث الشفهي، واعتبارهم له مصدرًا من مصادر التاريخ المتعددة.

وقد كرس الدكتور سعد الصويان جهده الأكاديمي لدراسة المرويات، فعد واحدًا من رواد الاهتمام بالمرويات الشفهية، وممن اعتنى بدراستها عناية كبيرة، وربما صح وصفه بأنه الأكاديمي البارز في العالم العربي، الذي اهتم بهذا المجال، وحظيت بحوثه ومؤلفاته في هذا الموضوع قيمة علمية عالمية، ولقيت قبولُا واسعًا، فراح يبحث عن المرويات عن تاريخ المملكة ويوثقها ويسجلها، فوفر بين يدي الباحث مصدرًا مهمًا من مصادر تأريخ المملكة بل وجزيرة العرب كلها.

خالد بن هزيل الدبوس الشراري